خواطر اليوم التاسع كتب: سراج الدين مصطفي

خواطر اليوم التاسع
كتب: سراج الدين مصطفي
(١)
الفنان ياسر تمتام يعد واحدا من اصوات جيل التسعينات في الاغنية السودانية ذلك الجيل الذي ضم نجوما لامعين مثل محمود عبدالعزيز ونادر خضر وجمال فرفور ووليد زاكي الدين حيث استطاع ان يثبت حضوره مبكرا عبر بوابة الحفلات الخاصة والمناسبات الاجتماعية التي منحته انتشارا واسعا وجعلت منه مغنيا مرغوبا بفضل خفة ظله وقدرته على التواصل مع الجمهور وتميز تمتام باهتمام واضح باغنيات الحقيبة فصار من رواتها الحافظين لنصوصها والحريصين على ادائها وفق الرواية الصحيحة دون التباس وهو في ذلك يقترب من تجربة بادي محمد الطيب الذي عرف ايضا بولعه بالحقيبة وتقديمها بجودة عالية غير ان هذا الاتجاه اسهم بصورة غير مباشرة في محدودية انتاجه الغنائي الخاص وهو المسار ذاته الذي يسير عليه تمتام حتى اليوم مشاركته في اغاني واغاني خلال هذا الموسم كشفت عن تأثر صوته بالمرض حيث بدت مناطق القرار مرهقة وافتقد الصوت انسيابيته المعهودة ومع ذلك يظل افضل من كثيرين بفضل ذكائه في اختيار الاغنيات التي تناسب طبقته الصوتية وتساعده على تقديم اداء مقنع يحافظ على مكانته وسط محبيه وجمهور الحقيبة على وجه التحديد.
(٢)
في تقديري الشخصي ارى ان الفنانة منى مجدي لم تتمكن حتى الان من ترسيخ حضور مقنع كمغنية منفردة يمكنها قيادة عمل غنائي متكامل يعتمد على شخصية صوتية واضحة ومتفردة اذ يبدو صوتها اقرب لاداء الكورال الجماعي الذي يذوب داخل المجموعة دون ان يلفت الانتباه او يصنع بصمة خاصة تميزه عن بقية الاصوات من جيلها كما ان خامة الصوت تفتقد درجات التطريب التي تمنح المستمع حالة من الدهشة او الارتباط الوجداني العميق وهو امر ضروري لبناء مشروع فني قابل للاستمرار ورغم دراستها الاكاديمية في كلية الموسيقى وما يفترض ان تمنحه هذه التجربة من وعي تقني وجمالي الا ان ذلك لا ينعكس بصورة واضحة في ادائها من حيث التحكم في الجمل الموسيقية او توظيف المساحات الصوتية بشكل مدروس كذلك تبدو انفعالاتها الادائية في بعض الاحيان غير منضبطة مما يضعف الصورة البصرية ويجعل حضورها امام الجمهور اقل تماسكا وربما ساهم التعاطف الجماهيري في منحها مساحة انتشار لا تتناسب تماما مع مستوى التطور الفني المطلوب لصناعة نجمة تمتلك خصوصية قادرة على المنافسة والاستمرار في ذاكرة المتلقي السوداني.
(٣)
المؤسف حقا ان الفنان الشاب معتز صباحي الذي امتلك موهبة غنائية فائقة وابداعا يمكنه ان يترك بصمة قوية في الساحة الفنية السودانية يبدو اليوم في مسار يبعث على القلق فقد كان في زمن قريب ظاهرة غنائية مميزة أحدثت حركة واضحة في المشهد الفني واثارت نقاشات نقدية واسعة حول ادائه واختياراته الفنية وامكاناته الصوتية التي كانت تبشر بمستقبل مشرق الا ان الواقع الحالي يظهره بعيدا عن المكانة التي توقعناها له حيث بدا تراجع حضوره الفني وفقدان الاندفاع الذي كان يميزه يؤثر على صورة الموهبة ويجعل الجمهور يتساءل عن مصير هذا الصوت الواعد كما تبدو مشاركاته واغنياته الاخيرة اقل قدرة على تحقيق التأثير المطلوب وخلق الحراك الذي عرف به في بداياته الامر الذي يزيد الاحساس بالاسف خاصة وان اعتباره في يوم من الايام ظاهرة لم يكن مجرد تقييم عابر بل نتيجة لموهبته الفريدة ومهارته في التواصل مع المستمع وما زال الكثيرون ياملون ان يجد معتز صباحي طريق العودة الى مستواه الحقيقي ويعيد بناء حضوره بطريقة تحترم موهبته وتعيد له المكانة التي يستحقها في الغناء السوداني وتكون نهاية مساره الفني مختلفة تماما عن التراجع المحزن الذي نراه اليوم.
(٤)
لابد ان استعيد حادثة مهمة تحمل رسائل عميقة عن احترام الفنان لذاته ولجمهوره ففي العام 2008 اجريت برفقة الاخ الحبيب طلال مدثر حوارا مع الفنان الاسطوري عثمان حسين بمنزله في السجانة وكان معنا المصور علم الهدى حامد عليه الرحمة وبعد الفراغ من الحوار رفض عثمان حسين التصوير بملابس البيت وطلب تأجيله الى اليوم التالي وحين عدنا وجدناه في كامل اناقته واشراقه رغم تقدم العمر كما انه توقف مبكرا عن الغناء عندما شعر بتراجع صوته حفاظا على تاريخه ومكانته في وجدان الشعب السوداني
ما يدفعني لاستدعاء تلك الحادثة هو ما يمر به الفنان أحمد الصادق الذي يعد من اهم الاصوات التي اسهمت في تشكيل ملامح الاغنية السودانية الحديثة واستحق لقب فنان الجيل بفضل جماهيريته الكبيرة وقدرته على المزج بين الطرب الاصيل والروح المعاصرة وامتلاكه خامة ندية واحساسا عاليا وذكاء في اختيار النصوص والالحان
غير ان الحالة الراهنة تبدو نموذجا واضحا للهدر الانساني ففنان احاطت به جماهيرية تقارب حالة الوله التي صاحبت جمهور محمود عبدالعزيز لم يستثمر تلك الارضية لتطوير تجربته بالشكل الذي يجعلها اكثر خلودا كما ان المؤشرات الصوتية الحالية لا تبدو في افضل حال وهو ما اثر على جوهر الجاذبية الفنية وصدق التعبير فالمعادلة التي تصنع القمة بدأت تتراجع وعليه تصبح المراجعة ضرورة حتى يستعيد بريقه ومكانته الطبيعية
(٥)
على مدى ستين عاما هي عمر تجربته الفنية ظل عبدالكريم الكابلي يشكل وجدان الامة السودانية بمزيج من الابداع الممزوج بالدهشة حيث جمع بين الحداثة والاصالة وقدم فنا ينقل شجونه واحاسيسه للناس في شفافية مدهشة ولد ببورتسودان عام 1932 وتنقل بين سواكن وطوكر والقلابات والقضارف والجزيرة وكسلا فكانت تلك البيئات روافد ثرية صاغت وجدانه ومنحته ذلك الحس الانساني العميق الذي انعكس في اعماله صوتا ولحنا وفكرة .. مع كل اغنية جديدة كان الكابلي يقدم رؤية موسيقية مختلفة فلم يكرر نفسه ابدا بل سعى الى ابتكار موتيفات وايقاعات متجددة وتجاوز التجديد حدود اللحن الى التوزيع واستخدام الالات التقليدية بروح معاصرة كما تجلى ذلك في رائعة سعاد للشاعر عمر الطيب الدوش وابدع في صياغة المقدمات واللازمات الموسيقية التي منحت اعماله بعدا جماليا اضافيا كما في اسيا وافريقيا وضنين الوعد حيث بدت المقاطع الموسيقية لوحات قائمة بذاتها..
رحلته الجمالية التي امتدت بطول جغرافيا السودان انتهت جسدا في الولايات المتحدة عام 2021 لكنه ظل روحا تحلق في سماء الوطن فقد غنى للسودان كما غنى خليل فرح وظلت اعماله تعبيرا صادقا عن محبة الارض والانسان وحين عاد الى ثرى امدرمان ووري الثرى بحلة حمد بدا المشهد وكأن فسيلة الجمال قد غرست قرب النيل لتثمر في ذاكرة الاجيال ويبقى الكابلي صوتا يوقظ الشجون ويعلمنا كيف يكون الفن رسالة وخلود.
(سراج الدين مصطفى)



